المقريزي
277
المقفى الكبير
عدّة في سبيل اللّه ووسم على أفخاذ الخيل : الملك للّه وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن وتناول القليل من الطعام الغليظ . وقدم عليه أخوه أبو العبّاس [ 441 ب ] برقّادة فسرّ به . وخرج في شهر رمضان من رقّادة واستخلف على إفريقيّة أخاه أبا العبّاس وأبا زاكي . وسار في جيوش عظيمة فاهتزّ الغرب لخروجه وخافته زناتة وتنحّت القبائل عن طريقه وأتته رسلهم بالطاعة له . فلمّا قارب سجلماسة بعث إلى اليسع صاحبها يتلطّف به ، ويقول : « لم أقصد حربك ، ولكنّ لي حاجة مهمّة عندك » ، ووعده بالجميل . فلمّا أتته كتبه رمى بها وقتل الرسل ، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد اللّه المهدي - ولم يذكره له - فقتل الرسول أيضا ، وخرج فقاتل أبا عبد اللّه يومه على ظاهر سجلماسة ، فلمّا جنّهم الليل افترقوا ، وهرب اليسع وأصحابه . وبات أبو عبد اللّه في غمّ عظيم لا يدري ما صنع بالمهديّ وولده . فلمّا أصبح خرج إليه أهل سجلماسة وأعلموه بهرب اليسع ، فدخل أبو عبد اللّه بأصحابه المدينة ، وقصد المكان الذي فيه عبيد اللّه المهدي ، وأخرجه وولده وأركبهما ، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما ، وأبو عبد اللّه يقول للناس : « هذا مولاكم » ، وهو يبكي من شدّة الفرح ، حتى وصل إلى الفسطاط الذي ضرب له ، فنزل فيه . وحصل في الناس من المسرّة ما كاد يذهب بعقولهم . وأمر أبو عبد اللّه بطلب اليسع فأخذ وضرب بالسياط ثم قتل « 1 » . وسار بالمهديّ إلى رقّادة ، فلمّا قاربها مشى أبو عبد اللّه وجمع القبائل في ركاب المهدي حتّى نزل القصر وسلّمه الأمر كلّه . فتصرّف فيه على ما اقتضاه رأيه . [ تمرّد الداعي على المهدي ] فحسده أبو العبّاس أخو أبي عبد اللّه ، وأخذ يزري عليه في مجلس أخيه . وما زال بأخيه أبي عبد اللّه حتى غيّره . وكان المهديّ لم يترك لأبي عبد اللّه ولا لأخيه أمرا ، فواجه أبو عبد اللّه المهديّ بما في نفسه وقال له : يا مولانا ، لو كنت تجلس في قصرك ، وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم على حسب ما عوّدتهم ، لأنّي عارف بأخلاقهم ، لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس . وكان المهدي قد بلغه ما كان من مفاوضة أبي العبّاس مع أخيه أبي عبد اللّه ، فعند ما واجهه أبو عبد اللّه بهذا ، تحقّق صدق ما نقل إليه ، غير أنّه ردّ ردّا لطيفا ، ولم يظهر له شيئا . وكثر القول من أبي عبد اللّه وأخيه ، وأخذ أبو العبّاس يغري بالمهدي سرّا فيصل ذلك إلى المهدي ، ويتغافل . وزاد الأمر حتى اجتمعوا على قتل المهديّ غدرا . وكان غزويه بن يوسف « 2 » يدخل [ 442 أ ] معهم ويخبر المهديّ بما جرى ، فاتّفق أنّهم اجتمعوا في دار أبي زاكي ومعهم أبو عبد اللّه . فلمّا كان الصبح خرج أبو عبد اللّه على عادته ، وقد لبس ثوبه مقلوبا ، فدخل على المهديّ فسلّم عليه وخرج . فلم يذكر له المهديّ شيئا . ثمّ دخل عليه في اليوم الثاني والثالث وثوبه مقلوب
--> - مات بمشيئته لأنّه امتنع عن الأكل والشرب ، وقد صفح عنه المهديّ . ( 1 ) هذه رواية الكامل 6 / 133 ، وفي عيون الأخبار 162 أنّه - ( 2 ) لم يسمّ هذا الجاسوس في الكامل ، ولا في عيون الأخبار . وسيتضامن هذا الزعيم الملوسي مع أخيه حباسة فيقتله المهديّ .